رأى

من إدوارد لينو وور أبيي إلي الشعب جنوب السودان

من إدوارد لينو وور أبيي إلي الشعب جنوب السودان

ترجمة: محمد علي جادين

(1)

أعزائي.. هل يمكننا أن نكون يقظين؟ كل الأفعال المخططة التي ارتكبناها بحق أنفسنا، وكل الأشياء التي تصورناها خلال صراعنا حول السلطة كانت دون أي بوصلة نقود أحلامنا وآمالنا من أجل بناء مستقبل زاهر. ولذلك ضللنا الطريق لبناء بلدنا، رفضنا رؤية وحمل الأشياء التي تدفعنا للتقدم إلى الأمام. فمعظمنا اعتقد أن أبناء شعبنا كانوا يتجهون إلى (وادي الموت والإبادة)، ولكننا رفضنا أن نرى ونعرف كيف يجب أن نعمل بجدية من أجل أن نستمر في حياتنا في وئام وانسجام. ويبدو أن ساعتنا قد تعطلت ورفضت أن تتحرك عندما بدأت آلة القتل تسحق أرواح الأبرياء. بهذا الأيادي الملطخة، كيف سيسلم هؤلاء المجرمون على الآخرين أو يخدمونهم بصدق وإخلاص؟ بعضنا فقد عقله وظل يشيع الرعب وسط (الناس) ظناً منهم أنهم سيخفون أنفسهم في عالم يتميز بالوضوح والشفافية. وخلال شهر واحد قتل الآلاف، وأجبر أكثر من مليون شخص على (النزوح) دون أن ندري أن العالم كله ظل يراقب وحشيتنا في اندهاش واستغراب!!

نعم، لقد نسينا أن نغطي جرائمنا القبيحة، أرجوكم أعزائي أن نركز على أنفسنا وننظر باهتمام في مركز الأحداث التي جرت ولا تزال تجري حولنا – لننظر ونصف لأنفسنا علاقتنا بهذه الأحداث حسب قربنا منها، وأن نحدد المسافة بيننا وبين تلك المشاكل المحدودة التي تواجهنا، وأن نحدد الظروف التي دفعتنا لارتكاب تلك الأخطاء الفظيعة.. هل تفهمنا الدروس والخبرات التي طرحتها هذه الأحداث المؤلمة التي نخجل منها؟ لماذا نخجل الآن عند الحديث عنها؟ أقول لكم إن الحقيقة لا يمكن أن تقال سراً، بل يجب أن تقال علناً وبوضوح، الحقيقة لا يمكن أن تخفى وليس هناك شخص يمكن أن يخفيها إلا إذا كان شيطاناً فقد علاقته بقيم السماء الكريمة، نظرتنا للأمور أصبحت مأزومة، لأننا ننظر للكوارث الجارية بمنظور ذاتي، خاصة عندما يطلب أحدنا العفو من أرملة فقيرة أو طفل صغير، أو غيرهم من الذين فقدناهم إلى الأبد عندما كانوا يحاولون عبور النيل هرباً من نيران الحرب وبحثهم عن السلامة.

(2)

عندما ننظر لأنفسنا اليوم داخل مجتمعنا، الذي تعرض لممارسات جنونية غير إنسانية، سوف نستغرب لهذه الروح الشريرة، التي سيطرت علينا وحولتنا إلى حيوانات مفترسة، وقد ننهار ونتلوى ونشعر بالحزن. ولكن دون جدوى لها من مأساة. نعم، هنالك جرائم مخيفة ارتكبت في وضح النهار، جرائم عديدة أكثر من تلك التي ارتكبت في ظلام الليل. وفي سرعة تذكرت أحداث ليبيريا وسيرليون، تذكرت كيف قام السيراليونيون بذبح إخوانهم في شواع مدينة فري تاون بسبب صراعهم حول السلطة!! وشرد خيالي إلى ساحل العاج وتذكرت كيف أنهى الرئيس عهده الديمقراطي باستبداد وعنجهية، وكيف طرد من قصره عارياً ومقيد اليدين نتيجة جرائمه البشعة. وتذكرت بورندي وكيف ذبح الناس بعضهم وكيف صدروا المجازر إلى رواندا – وتوقفت طويلاً في رواندا أمام أكوام جثث القتلى في كيقالي، لأتعرف إلى وسائل الإبادة الجماعية وعلى الدروس المستفادة التي يجب ألا تنسى. تذكرت هتلر وكمبوديا وصدام حسين ويوكاسا وعيدي أمين وموبوتو وكوني والقذافي وعلي صالح وطالبان وغيرهم، تذكرت هؤلاء وغيرهم لنتعلم ونعرف ماذا حدث لنا لنقاتل بعضنا حول السلطة. هل نسينا الملايين الذين قدموا أنفسهم من أجل حريتنا واستقلالنا؟ تمنيت أن تقف عظامهم وتحدثنا وتفهمنا لماذا يجب أن يكون شعبنا حراً؟

(3)

لننظر إلى أنفسنا كما نشاء، لكننا نحتاج إلى مخاطبة أنفسنا بطريقة موضوعية وأن نضع مسافة بيننا وبين المشاكل العملية، فبعد ثماني سنوات، مثلاً، من الحكم الذاتي والاستقلال، لماذا لا تقود أنابيب النفط إلى نمو سريع؟، لماذا تتدهور خدمات الكهرباء؟ متى تقف مدارسنا على أرجلها لتعليم أطفالنا؟ ليس هناك من ينظر لاتجاهنا في السنوات الأخيرة بتقدير إيجاببي. هناك إحباط عام وسط الناس، لكنهم بسبب الخوف يصمتون أو يهربون إلى الدول الأخرى. إننا نحتاج لمراجعة ودراسة هذه المعوقات الرئيسية.

فعدم قيام هذه المشاريع بعد استقلالنا يجب اعتباره مشكلة حقيقية تتطلب تحويل كل الجهود لحلها، ويجب أن نعالجها بحسم ودون أي تردد ودون حسابات شخصية للأرباح والخسائر، ولكن بعضنا يخاف التناول الموضوعي للمشاكل، رغم أن التناول الذاتي قد يؤدي إلى هلاك الشخص نفسه، الشخص الموضوعي هو الذي يحمل فانوسة ويسير في الطريق الصحيح وسط الظلام، والخيال غير المرتبط بخيال التجربة يؤدي إلى أفكار وأفعال لا تريح أرواحنا المتطلعة إلى الأمام، ولهذا السبب لا نجد مثقفين لمتابعة قضايانا الوطنية ودفعها إلى نهايتها المنطقية. لماذا نترك مصيرنا في أيدي الجهلة؟ أين المثقفون؟ ماذا يفعلون؟.

يبدو أنهم يخضعون أنفسهم للجهل والكسل والظلام، وخيالهم يعاني من مرض مزمن، وإذا لم نركز على ذلك فقد نجد أنفسنا في وضع مزرٍ.

لقد أرتكبت أخطاء كثيرة قد تقودنا إلى المزيد من الصراع والقتال وتفكيك نسيجنا الاجتماعي وعرقلة اندماجنا الوطني، وبكلمة أقول هذا هو الوقت الذي يجب أن يتحرك فيه مثقفونا ذوو الضمائر الحية لقيادة جماهير شعب جنوب السودان، علينا أن نتحرك ونرتفع فوق المرارات والمكاسب الشخصية، نحتاج أن نختبر حقيقتنا بعقول مفتوحة وواسعة، فالأحداث المؤلمة تظهر كالحلم ثم تكبر، وعندما نشعر أو نرى الأشياء تتهاوى حولنا، يتقدم واحد من بيننا ليلوم ويجرم آخرين. ومثله يعتقد أن الآخرين لم يروا شيئاً أو لم يشاركوا فيما حدث، فهو يدعي (أنا أقول الحق لأنني هنا أحمل البندقية) وفي أثنا ذلك، يكون المحظوظون هم المستفدون من البنادق المستولى عليها، دون أن يدروا أنه قد تمت مراقبتهم ومتابعتهم من قبل الذين أرهبوهم وأفزعوهم ببنادق تم شراءها من قبل بأموال عامة، وهذا هو سبب حوادث النهب والسرقة العشوائية، لماذا ينسى الذين يرتكبون تلك الجرائم أنهم كانوا مراقبين ومتابعين؟؟ وما يحدث الآن هو أن من هم في قمة تلك الأحداث لا يعلمون ولا يشعرون بأنهم ارتكبوا أي جريمة بحق الناس الذين تركوهم يفرقون في المستنقعات، أما الذين في الأرض فإنهم يفكرون بجدية في كيفية القبض على المجرمين الفعليين وتقديمهم للمحاكمة التي أصبحت لها مؤسسات عالمية. ويجب أن لا نغضب، لأننا نحن الذين ركزنا الاهتمام بالعدل والقانون من خلال أفعالنا السيئة تجاه شعبنا -علينا أن نعترف بأخطائنا وعلينا أن نصححها بطريقة شفافة وأن نزيل المظالم ونركز على المصالحة، وأن نبني مصالحة وطنية عامـة بشكل جاد وصادق.

(4)

قبل شهور قليلة من مجزرة جوبا اصطدمت بشاب في مقتبل العمر، بدا لي أنه ينتمي للطبقة المميزة الجديدة، وكان يقود منطاداً أنيقاً (موديل 2012) سمعته يسأل أحد زملائه عن وجود منطاد موديل 2013 لأنه يريد تغيير منطاده القديم!!! وهناك قصص غريبة أخرى مرتبطة بتلك القصة. إذ أنه كان غاضباً من شاب آخر من مجموعة منافسة، لأنه نافس وكسب المنطاد الذي اختاره بطريقة تشبه أساليب عصابات المافيا – وما حدث فهمه هذا الشاب كعمل رديئ. وما تلفظ به من معلومات حول هذه القبيلة أو تلك لم يكن مريحاً، بل كان ينذر بخطر ما حق. وعندما تحدث رئيس الأساقفة في قاعة نياكورون مساء 14 ديسمبر 2013م وتبعه الأسقف باريديون مساء 15 من نفس الشهر, كلاهما حذر من المرحلة الخطرة التي يمر بها شعبنا، وكلاهما طلب من الرئيس اتخاذ بعض الخطوات العملية بهدف تهدئة التوترات القبيلية، ووقتها وقف الرئيس وتحرك ليقبل رئيس الأساقفة لوكودو- وبعد يوم واحد اندلعت نيران القتال في جوبا ومناطق أخرى. ياللمفارقة. أشير إلى أن هناك بغض الكبار مستعدون لإبادة الآخرين، فقط بسبب (المظاهر القبلية المزعجة) ربما لقناعتهم أن القبيلة الأخرى يجب أن تحرم من الوجود إلا تحت هيمنة تلك القبيلة الكبرى، ولكن لماذا يجب حماية القبائل الكبيرة؟ قد يقرر البعض كراهية الآخرين دون سبب مقنع، وقد تكون هناك بعض الحقائق الخفية المتعلقة بهذا الأمر – وإذا كشفت الحقائق، فإنها ستسحب البساط من تحت أقدام أولئك الذين يقاتلون شعبهم.

وأعتقد أن الوقت المناسب قد بدأ لنقترب أكثر وأكثر من أي حقيقة مخجلة حتى نكشفها للناس. وكدولة وليدة رفضنا كشف الحقيقة التي ظللنا نلاحظها بشكل جدي، وأفعالنا وأخطاءنا قد تم تسجيلها بشكل جيد، جرائمنا وأفعالنا وأشكالنا وكتاباتنا وصورنا، كلها جرى تسجيلها دون علمنا ودون قبولنا، وكل ذلك حدث لأننا رفضنا أن ننمو ونتعلم من أخطائنا وتجاربنا، أرجو يا أعزائي أن تكونوا يقظين.

(5)

لقد حدثت أحداث مؤسفة منذ يومنا الأول، منذ تكوين حكومتنا الاستقلالية، وجاء أصدقائنا بكل صدق وإخلاص لمساعدتنا، ولكننا استقبلناهم ببرود عندما رفضنا نصائحهم حول إبعاد العناصر الفاسدة والسيئـة السمعة (أنبياء الفساد) الذين وثقنا فيهم وعيناهم في حكومتنا الانتقالية، لقد ارتكبنا أخطاء كثيرة في إدارة وبناء الحركة الشعبية والجيش الشعبي والأجهزة الأمنية وكذلك في القوات النظامية الأخرى، لقد حطمنا هذه المؤسسات بوعي وإدراك، وكذلك لم ننجح في إدارة المشاريع التنموية الرئيسية، مياه جوبا والكهرباء والصرف الصحي والمستشفيات والطرق، وفشلنا في تطويرها وتحديثها، وفشلنا في فتح مدارس لتعليم أطفالنا، ولذلك أرسلناهم في بعثات دراسية في الدول الأخرى، وفشلنا في بناء الطرق إلى يامبيو، واو، أويل، راجا، ملكال، الرنك، الناصر، رمبيك، بانتيو، بيبو، توريت، كبويتا، ياي، أثيوبيا والكنغو الديمقراطية، وفشلنا في بناء جسر واحد على النيل، وفشلنا في بنا المشاريع التي تستطيع أن تستخدم آلاف العمال.

(6)

والمفارقة أننا أنفقنا حوالي 17 مليون دولار خلال السنوات الثماني السابقة “2005م-2013م” في مجالات استهلاكية وبذخية، وفشلنا في جذب المستثمرين الأجانب، ونعترف بكل تبجح أننا بددنا أكثر من مليار دولار في سلعة تسمى (القمح)، وشعبنا سمع عن القروض القادمة للبلاد، ولكننا لم نشرح له كيف صرفت هذه القروض، وفي الفترة الأخيرة أعلن عن تورط حوالي 75 من كبار المسؤولين في عمليات فساد، ولكن لم يقدموا للمحاكمة.

والآن وأكاد أجزم أن كل تلك الفوضى والخراب المالي التي شهدتها دولة جنوب السودان، والعاصمة جوبا بشكل خاص، تمثل أحد الأسباب التي أدت إلى القتال الجاري الآن بسبب المستفيدين الأساسيين، وبعضنا وصل به الجنون إلى الاعتقاد بأنهم يملكون الجنوب وحدهم، فقط لأنهم من هذه القبيلة أو تلك، والقصص من وراء البحار تؤكد ذلك، وهذا قد يكون أحد الأسباب التي تدفع هؤلاء إلى تحطيم كل ما حولهم بما في ذلك البشر- فقد بدأوا بفتح النار في جوبا، عاصمة البلاد ومركز الاستوائية، ما أدى إلى قتل العديد من المواطنين، نتيجة إطلاق النار المتبادل بهمجية واستهتار، وفي مناطق أخرى بعيدة عن موطنهم، ىدون التزام بأي قيم وأخلاق، وذلك لأنهم يعتقدون أنهم يملكون الأرض والبشر، ولذلك يجب أن يحكي الناس هذه المجازر الوحشية التي شهدتها ياي أومريدي أو مندري كيف لإخوانهم؟ هل ينكرون حدوثها؟ ومن سيعوض المتضررين الذين فقدوا الممتلكات والأهل والأصدقاء في كل تلك المناطق والمدن؟

يجب أن نعترف أننا كقيادات قد ارتكبنا أخطاء عدة – وإذا كان الأمر يخصني وحدي، فإنني سوف أعتذر علناً وأقدم استقالتي من موقعي، لأنني فشلت في المحافظة على وحدة شعبي وبدأت عمليات سلب ونهب واسعة، وفي تسليح وحدات إثنية معينة، ضد المجموعات الأخرى.. هذا لا يصح.. جنوب السودان ليس حكراً لأحد وإنما هو لكل أبناءه وبناته، هو ليس حكراً لمجموعة معينة وإنما لكل إثنياته، هو ليس حكراً لقائد وحيد وإنما للقيادة الجماعية التي تمثل كل شعب الجنوب.. إن جنوب السودان يمكن أن يتمزق ويتفكك بحكم هشاشة تركيبته وتخلفه الاجتماعي كما نراه الآن.

إن الأفراد قد يرتكبون أخطاء، ولكن علينا أن نعترف بهذه بهذه الأخطاء ونقوم بتصحيحها، وإذا كنت أكره ريك مشار، فلماذا أكره قبيلة النوير؟ وإذا كنت أكره سلفاكير، فلماذا أكره قبيلة الدينكا أو أي مجموعة أخرى في العالم وليس في الجنوب؟ هناك أخطاء يمكن التسامح معها، ولكن هناك أخطاء لا يمكن ذلك، أخطاء تهدد الشعب كله الذي يريد بناء دولته ووحدته، بعد انتصاره في حرب تحرير طويلة فقد فيها الملايين من أبنائه وبناته.

لا. لأننا نحتاج أن نقف أقوياء وموحدين كما كنا، حتى نواصل نضالنا من أجل بناء بلدنا- نحتاج أن نترك بلادنا موحدة ومزدهرة للأجيال القادمة، علينا أن ننهض ونرتفع ونضمد جراحنا وآلامنا لبناء أمتنا، جمهورية جنوب السودان.

إننا نحتاج اليوم لعمل أشياء تنقذ أمتنا ودولتنا الوليدة، علينا أن لا نغرق أنفسنا في الدموع والحزن والأسى، علينا أن نعمل ليولد جنوب السودان مرة أخرى، أن ينهض من فوق رماد نزوات من يريدون أن يستغلوننا ثم يتركوننا نموت في حالة من الفقر المزري، في حالة أسوأ من حالة الجنوب الذي قتله بعضنا وتركه دون أن يدفنه، قضيتنا واضحة. ولذلك علينا أن نعمل لتطوير جمهوريتنا على أساس فيدرالي ديمقراطي، حيث يستطيع شعبنا أن يعيش حراً وقادراً على تطوير نفسه في سلام ووئام، الآن كلنا يعلم ويعرف ما حدث، وليس هناك من يستطيع إخفاء الحقيقة. وكل الأخطاء التي أجبرتنا على عبور تلك المياه الساخنة هي من فعل بعض الأفراد الذين نعرفهم ونعرف لماذا فعلوا ذلك بطرق مختلفة، ولكن هدفنا واحد. وبعض هؤلاء عملاء لدكتاتوريين أجانب؟ ونريد أيضاً أن نعرف ماذا نفعل لتصحيح تلك الأخطاء التي ارتكبناها بأنفسنا في المقام الأول- والأكثر أهمية في أمراضنا هو مرض الخضوع للحكام والقوى المهيمنة، وهذا الجانب هو بعض ما ورثناه من الخرطوم التي تعتبرنا مجرد (حشرات) علينا أن نتحد وننهض ضد أي روح شريرة تحاول السيطرة علينا بعد أن نلنا استقلالنا الوطني، لنكـن يقظـين.

تدبير الانقلاب العسكري له مقدماته ومستلزماته، إذا لم تتوفر يكون مجرد تمرد عسكري، دعنا نفحص تكوين الجيش الشعبي هل هو جيش موحد له نظامه وعقيدته؟

الواقع أنه لم يكن قط موحداً منذ بداياته، لقد بدأ بدمج مليشيات متعددة، وهذه المجموعات لم تدمج كليا وإنما كانت تتخذ تحت إشراف ضباطها السابقين غير المدربين، وكل جندي كان حراً ليعمل مع القائد الذي يختاره، وخلال هذه العملية فقد الجيش الشعبي جوهر تقاليد الانضباط والسيطرة والتنظيم، فالجيوش لا تبنى دون انضباط وتنظيم، والواقع أنه لم تكن هناك مؤسسة تسمى (الجيش الشعبي)، هو موجود صحيح، لكنه كان مقسماً إلى تكوينات قبلية مرتبطة بقواعد محددة وتركيبات قبلية محلية، ولهذا السبب كان لابد أن يستند القائد الأعلى على قبيلته حتى يقوم بتكوين مجموعته، صحيح كان للجيش الشعبي زيه الرسمي الموحد، لكنه كان يرتبط بعدة قيادات. وبما أن هذه القيادات لا ترتيط بقائد واحد، فإنه لا يمكنها تدبير انقلاب عسكري، هناك عدة مراكز قيادية موزعة في جوبا، لكنها كانت دفاعية في تكوينها وليست هجومية. الواقع إنه لم تكن هناك محاولة انقلابية مخططة، والذين بلغوا رئيس الجمهورية بذلك تلاعبوا باللغة. أعلم أنه ليس من السهولة فعل ذلك. ولكن كيف يستطيع الناس محاربة مثل هذا التلاعب؟ علينا تسمية الأشياء بأسمائها، لم يكن هنالك انقلاب عسكري، وما حدث كان مجرد فوضى وتمرد.

النزعة العسكرية، التي زرعتها المليشيات في البلاد، وانتشارها وسط السكان المدنيين، يجب كبحها بقوة عند عودة الأوضاع إلى حالتها الطبيعية، فقد بدأت هذه النزعة في الصعود شكل خطير وأصبح لها تأثيرها النفسي حتى في الفرد الجنوبي العادي.

علينا أن نواجه ذلك بقوة. في خلال الحرب ضد حكومة الخرطوم، قامت الحكومة لمواجهة الجسش الشعبي بتكوين أكثر من خمسين من الملشيات للقتال بالنيابة عنها منذ عـام 1983م، وكان لذلك سلبيات على حياة المواطن في جنوب السودان حتى الآن. فقد كان هذا النوع من المليشيات، القائم على البربرية، يستند إلى إشاعة عدم احترام، حيث كانت تنهب وتسلب وتقتل دون أي حدود ودون أن تعرف الأهداف التي تقاتل من أجلها، كانت حياتها تتمحور حول البندقية الجاهزة للقتل، والتي تعتمد عليها في الحصول على المال والممتلكات، ولهذا السبب لم يقدم أي جندي سوداني إلى العدالة بتهم جرائم الحرب المرتكبة، وذلك منذ عام 1955 حتى الآن، ولكن الجيش الشعبي قام بإعدام بعض مقاتليه الذين ارتكبوا جرائم سلب ونهب خلال فترة حرب التحرير- ومن المهم أن نتعامل بجدية في محاسبة العسكريين والملشيات العسكرية.

قبل أن يعلن الرئيس موسفيني دعمه لهذا الجانب أو ذاك في صراعنا الحالي، لم يكن هناك شخص يعلم أنه سوف يورط نفسه في صراع داخلي بين أبناء شعب جنوب السودان- وهو الآن يتدخل بطرق بربرية، حيث طائراته الهلكوبتر تقتل الملايين بطريقة عشوائية في نزاع داخلي له أسبابه وأبعاده ولا ندري لماذا يورط نفسه في الجنوب؟ وربما نعرف الأسباب في وقت لاحق.

هو الآن في جنوب السودان، بينما يقف عمر البشير في انتظار الفرصة المناسبة، لقد وضح أن الجنوب يفتقد القوة التي تدافع عنه، لأن الجيش الشعبي تبعثر إلى مجموعات، وكثير من المقاتلين، الذين شاركوا في حرب التحرير، ابتعدوا عن جيشهم. هذا هو الواقع الذي يجب أن نركز عليه لمعالجته، وموسفيني مطلوب منه الآن إيقاف القتال في الجنوب وليس العكس، وفي ذلك عليه أن لا يستخدم تورطه في تخريب العلاقات بين شعب الجنوب وشعب يوغندا، فنحن نريد أن يحيا شعبنا في سلام ووئام.

لقد ارتكبنا أخطاء كثيرة في السنوات الأخيرة ما جعل بعضنا مندفعاً لسرقة ثورة الشعب وتحويلها لمصلحته الخاصة، فقد أبلغونا بشكل واضح بعدم العودة للحرب مرة أخرى، ولهذا السبب سحبنا قواتنا المتقدمة من باري ثاو. قدمنا كل منطقة أبيي دون مقابل بعد أن منعنا نزعها عن عمر البشير- ومنطقة حفرة النحاس أصبحت تحدياً كبيراً ولا ندري متى نستعيدها – والمدهش لشعبنا أن بعض قصيري النظر اختاروا الاستعداد للحرب الداخلية دون أن يدروا متى ستنتهي ومن أين يتم تمويلها؟ قاموا فقط بسرقة أموالنا العامة لتمويل حربهم، ولكن بأي حق ولأي هدف؟ إن هذه الحرب جريمة كبرى وعمل لا تسنده أي شرعية. وبما أننا نستند إلى حق وشرعية المقاتلين من أجل الحرية، علينا أن نقول الحقيقة عندما تسير الأمور في الطريق الخاطئ، علينا تصحيح الأخطاء وأن نقف ونفعل كل ما يفعله الناس الأحرار، علينا في هذه اللحظة العودة إلى رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان التي ورثناها بكل فخر من د. جون قرنق، نحن الممثلون الشرعيون لنضال شعبنا، الرؤية التي روتها دماء الشهداء وتم بناءها خلال سنوات النضال المرير، الرؤية التي واجهت القبلية، وهنا إشير إلى حديث قائدنا عندما خاطب الجماهير في مدينة بور، عندما بدت سلوكيات الهيمنة والاستعلاء وسط بعض القيادات، فقد قال (لهم إذا لم تغيروا نهجكم هذا فإنني سوف أوحد كل قبائل جنوب السودان وأقودها ضدكم. وحذرهم أن الحركة- الجيش الشعبي- ليست ملكاً لقبيلة واحدة وإنما هي لكل السودانيين..) وكان جون قرنق يعني ما يقول، رؤية الحركة تتجاوز كل حواجز القبلية والانقسامية والطائفية وكل عوامل الانقسام الأخرى رؤية تعمل لنقل المدن إلى الأرياف، رؤية تعمل لاستخدام بترولنا لتنمية قطاعنا الزراعي والقطاعات الأخرى، رؤية روتها دماء أمهاتنا وأطفالنا، رؤية حافظت على وحدتنا وقادتنا إلى الحرية والاستقلال، علينا العودة إلى رؤيتنا، علينا أن لا نبالغ في الأسف على فقد بور وبانتيو وملكال والقرى والمدن التي تعرضت للنيران.. هذه نيران شريرة، ادخرناها لتنير قلوبنا ضد الأنانية وحب السلطة، علينا أن لا نبكي، فقد حدث ما حدث لنا لأننا رفضنا أن نكون عقلاء، لذلك علينا أن نكون عقلاء ويقظين، المباحثات الجارية الآن في أديس أبابا يجب أن تقود إلى ظهور جنوب السودان من جديد قوياً وواعداً، يجب أن تقود إلى ولادة جمهورية جديدة، علينا أن نتحد لبناء بلادنا على أسس جديدة سليمة أساسها الديمقراطية والعدالة والسلام، وأنا واثق أننا يمكن أن نفعل ذلك كما فعلنا من قبل، إننا نحتاج إلى العودة لدستورنا الانتقالي وأن نراجع خدمتنا المدنية، علينا الوصول إلى معادلة ملائمة لبناء جيش وطني موحد وأجهزة أمنية وشرطة مؤسسة، علينا مراجعة مؤسساتنا العدلية ومواجهة الفساد وتطوير مؤسساتنا الاجتماعية، علينا مراجعة إدارة وتنفيذ مشاريعنا التنموية. وأشير إلى أن البترول يمكن أن يكون لعنة، لذلك علينا مراجعة عمليات استخراجه وإنتاجه على أسس سليمة، نحتاج إلى تعليم جيد وحساسية تجاه قضايا النوع، نحتاج إلى أن نعمل ضد كل سلبيات القبلية وأن يفهم مواطنونا دستورهم وأن نفتح الباب لنمو تنظيمات المجتمع المدني وأن نوفر المناخ الملائم للاستثمار، علينا إعادة هيكلة اقتصادنا الوطني وأن نفتح قلوبنا للآخرين الذين يريدون مساعدتنا- كل ذلك وغيره نتوقع خروجه من مناقشاتنا معاً ولتطلعاتنا كشعب يريد أن يعيش في سلام ووئام وكأمة واحدة، وعلى أبناء وبنات شعب جنوب السودان أن يرتفعوا فوق الجراحات والمرارات من أجـل الوطـن
منقول …..

Click to comment

You must be logged in to post a comment Login

Leave a Reply

Most Popular

To Top