الي سالي الجنوب … ورحلتي الي جوبا يوهانس موسي فوك

سالي الجنوب … ورحلتي الي جوبا

يوهانس موسي فوك

استوقفتني التعليقات الساخرة، والنقد الاذع الذي وجهه عدد كبير ممن طالعوا بكل شغف علي كتاب جديد صدر عن “دار الجمهورية للصحافة” للكاتبة المصرية سالي عاطف تحت عنوان “مانديلا الجنوب … ورحلتي الي جوبا” … وقد دفعتني الضجة التي احدثها هذا الكتاب الي زيارة معرض القاهرة للكتاب 2019 من اجل اقتناء نسخة منه، وبالتالي المرور علي افكار هذه الشابة التي وقعت في غرام اهل الجنوب، وتدفق في مخيلتها مواقف جميلة عندما زارت جوبا، لتتبادر الي ذهنها فكرة جمع هذه الاحداث في كتاب صغير اختارت له عنوانا جزابا ارتبط بسيرة الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور … وعندما عدتُ الي المنزل قرات الكتاب مرة واحدة فقط، وشعرت بخيبة امل لان محتوي الكتاب لا يتطابق مع العنوان. والاسوا من ذلك ان الكاتبة سالي لديها مشكلة كبيرة في الكتابة وتنسيق الاحداث، وتفتقر الي معرفة حقيقية لما حاولت سالي الكتابة عنه. ومن خلال محتوي الكتاب تبين لي بما لا يدع مجالا للشك بانها (سالي) لم تزخر جهدا في البحث حول محور كتابها (جنوب السودان). وتبادر في ذهني سؤال جوهري، هو: هل كانت سالي في جنوب السودان لثمانية سنوات متواصلة فعلا ام زارت جوبا قبل ثمانية سنوات وعادت الي القاهرة؟؟.

وبطبيعة الحال، لنبدا قراءة الكتاب من عنوانه، “مانديلا الجنوب … ورحلتي الي جوبا” هذا العنوان لا يسبب حرجاُ، لا للدكتور جون قرنق، ولا الي الاستاذة سالي نفسها. لان من خلال العنوان تستطيع بعد ذلك ان تبني الجمل المفيدة التي تتوسع وتصبح فقرات ومن ثم صفحات الي ان يكتمل الكتاب. ولكن الكاتبة لم تتبع درب العنوان، بل اختارت لنفسها طريق اخر، بداية من قنصلية جنوب السودان التي عملت فيها ومرورا بلقاءاتها مع بعض الشخصيات الذين اخطاءت الكاتبة في تعريفهم ((التقطت للكاتبة صورة تزكارية مع الجنرال خميس جلاب وكتبت تحتها “ابناء قبيلة بور قبيلة قرنق” مع ان خميس من جبال النوبة”)). فبدلا من تفريد مساحة لتعريف القاري الكريم عن مانديلا والاسباب التي تجعل من الدكتور قرنق مانديلا الجنوب، وقعت سالي في فخ السرد التاريخي لتاريخ جنوب السودان السياسي بشي من الايجاز وبدون تقديم مصادر لتوثيقاتها. ربما كان الاجدر علي الاستاذة سالي وضع هذا العنوان: “سالي الجنوب …ورحلتي الي جوبا” لتتناسق مع محتويات كتابها. ولكن هل كنا سنتفق مع الكتاب في المحتوي ؟؟ طبعا لا، لان الكاتبة سالي لم تهتم بالتغذية الراجعة وتستشير الاخرين ممن سبقوها في هذا الحقل (جنوب السودان)…في الواقع، هذا الكتاب الذي اثار موجه نقد علي منصات شبكة التواصل الاجتماعي يفتقر الي مقومات مادة فنية مفيدة موضوعياً ومنهجياً. كل ما استطيع قوله هو ان سالي جمعت معلومات مغلوطة عن جنوب السودان، وكلفت نفسها في طباعة صفحات لا تصلح ان تكون كتابا.

ولتقريب القاري الكريم عن الخداع الذي مارسته الكاتبة في التوثيق لجنوب السودان والصورة النمطية التي تقدمها للعالم العربي عبر هذا الكتاب، قالت سالي: “…وفي عام 1972 تم توقيع اتفاقية اديس ابابا والتي اعطت للاقليم الحكم الذاتي في اطار السودان الموحد الا ان الصراعات لم تنته حيث انه في عام 1972 والذي يعد البداية الحقيقية للتمرد وبداية صراع طويل نحو الانفصال الحقيقي الذي بدا نتيجة عدة قرارات اصدرها الرئيس جعفر النميري اطاحت بالاتفاق السابق ودعت لتقسيم الاقليم الي ثلاثة اقاليم ونقل الكتيبة (105) وبعض الجنوب الي الشمال، كما تم ارسال قوات لاخضاعها فادي ذلك الي هروبها الي الادغال الاستوائية لتصبح فيما بعد نواة جيش الرب ….” … بالله عليكم دة كلام؟؟ هل كانت الكتيبة 105 نواة لجيش الرب؟ وما علاقة الكتيبة 105 بادغال الاستوائية اصلا؟ هذه القوات خرجت من بور واتجهت الي الناحية الشمالية الشرقية صوب الحدود السودانية الاثيوبية. وهل كانت قرارات الرئيس جعفر محمد نميري عام 1973 ام 1983؟.

تحدثت الكاتبة عن منطقة ابيي، واخطات مرة اخري عندما اشارت الي قيادة مالك عقار وعبدالعزيز الحلو للحرب في دارفور…واستطرد الكاتبة في حديثها عن “ابيي” بالقول، “… لم يكن المجتمع الدولي بعيدا عن هذا الصراع، بل كانت هناك خطوات جادة ووساطة من الاتحاد الافريقي لحل القضية عبر حوار وطني شامل لمعالجة جزور الازمة في كيفية ان يحكموا انفسهم، فالمهم ليست مع من تتبع ولكن لابد للاستقرار والتنمية…”.. شخصياً، فشلتُ في ان افهم رسالتها!.

قالت سالي في احد السطور بانها كانت في الخرطوم، وحضرت الترتيبات المتعلقة بالاتفاق الاخير بين اطراف الصراع في جنوب السودان. ولكن هل تصدق ان لسالي رصيد معرفي فارغ عن اتفاق سبتمبر 2018؟… في محفل اشارتها للاتفق قالت الكاتبة، “…ولعل اهم هذه البنود اتفاق 2018 هو نزع السلاح من المتمردين، وان تحل كل المليشيات العسكرية، وان يتم الاعتماد فقط علي القوات النظامية التابعة للدولة وتقييم الوظائف السيادية، كما تم الاتفاق علي هيكل رئاسة الدولة وتكوين مجلس الوزراء والبرلمان وعدد الولايات وحدودها…” وحول تقسيم السلطة استطردت بالقول، “…وتم الاتفاق علي اضافة 15 وزيرا لمجلس الوزراء الحالي الذي يضم 30 وزيرا يحصل رياك علي 10 وزراء من الحقائب الوزارية وخمس وزارات للمجموعات المعارضة الاخري..” هناك اخطاء بالجملة لا نستطيع احصائها لكثرتها، بل الكتاب باكمله محشو باقتباسات مغلوطة لم يشر الكاتبة الي مصادرها. طبعا هذا الاتفاق الذي تحدثت عنه الاخت سالي لم نسمع به في جنوب السودان، وكل المعلومات الواردة جميعها خاطئية. فالترتيبات الامنية لم تتحدث عن اقصاء قوات المعارضة واعتماد القوات النظامية وحدها، بل تحدث عن الاصلاحات الامنية وتوحيد قوات الاطراف الثلاث (الحكومة، المعارضة المسلحة بقيادة مشار ومجموعة سوا) لتشكل نواة الجيش الوطني، والشرطة المشتركة. وفي تقاسم السلطة ليست هناك 45 وزارة بل 35 وتحصلت الحركة الشعبية (في المعارضة) بقيادة الدكتور مشار علي 9 وزارات فقط وليس 10 كما اشارت اليها الكاتبة سالي.

لا اعرف ان كانت سالي تعاني من ازمة المصداقية لايراد الاحداث كما هي ام ان الامر لا يعدو كونها لم تكتب باهتمام؟ … اخطاء سالي لم تختصر علي الاحداث التي وقعت خارج بلدها (مصر) بل حتي القضايا السياسية السودنية الجنوبية التي حدثت في القاهرة نالت نصيبها من التحريف. فمثلا “اعلان القاهرة” لتوحيد اجنحة الحركة الشعبية لتحرير السودان التي استضافته الحكومة المصرية لم تتوفق سالي في تقديمه. ورغم ان الخبر نشرته صحيفة اليوم السابع علي النحو التالي: “..استضافت القاهرة اجتماعا خلال الفترة من يوم 13 نوفمبر وحتى 16 نوفمبر الجارى للحركة الشعبية لتحرير السودان بشقيها الحكومى ومجموعة القادة السابقين، حيث تم التوقيع بمقر المخابرات العامة على وثيقة إعلان القاهرة لتوحيد الحركة الشعبية لتحرير السودان تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الأوغندى يورى موسيفنى..”. انظر كيف نقلتها سالي في كتابها: “..وفي خطوة لاحتواء الازمة جاء ((اعلان القاهرة)) في نوفمبر، وتم توقيع وثيقة عرفت بـ(( اعلان القاهرة)) لتوحيد الحركة الشعبية لتحرير السودان، بحضور الرئيس الاوغندي يوري موسيفيني وممثلين الحركة الشعبية لتحرير السودان بشقيها الحكومي التابع لسلفاكير ورياك مشار…” طبعا لم يشارك جناح مشار في اعلان القاهرة، والخبر نقله “اليوم السابع” اعلاه بمهنية وحرفتها سالي.

صفوة القول: اتمني ان لا تفهمني خطاءً الاستاذة سالي وتعتقد انني استخف بكبرياءها، بل عليها ان تاخذ بمقولة الرؤائي الاسباني كارلوس زافون حينما قال، ” ان اردت الكتابة حقاً او ان يقراك الاخرون علي الافل، فلابد من ان تعتاد انهم يتجاهلونك احياناً، وقد يسيئون اليك ويزدرونك، ويبدون عدم اهتمامهم لك طوال الوقت تقريبا. هذه احدي مزايا مهنة الكتابة …” اتمني كذلك ان تتقبل اختي سالي بان هذا الكتاب لم يترك انطباعا للقاري فيما كان الدكتور جون قرنق (البطل) فعلا كان شبيه مانديلا (الاسطورة) في جنوب السودان، لان الكاتبة لم تعطي امثلة حية تبرهن ذلك، وانتهت القصة مع انتهاء صفحات الكتاب.
وعليه، ادعو الكاتبة سالي عاطف لسحب كتابه “مانديلا الجنوب .. ورحلتي الي جوبا” من السوق والمكتبات فوراً، والاعتزار لمحبي الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور بدون تاخير.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmailby feather
Facebooktwittergoogle_pluslinkedinrssyoutubeby feather

Be the first to comment on "الي سالي الجنوب … ورحلتي الي جوبا يوهانس موسي فوك"

Leave a comment

Your email address will not be published.


*